التشيع في الأردن
محمد أبو رمان الغد 4-5/10/2006
السؤال الشيعي يطرح لأول مرة في الأردن، فثمة تقارير وتصريحات رسمية ومعلومات متعددة تؤكد وجود ظاهرة "محدودة" من "التشيع الديني" في السنوات الأخيرة في مناطق مختلفة، بالإضافة إلى التخوف الرسمي من حالة "التشيع السياسي" من خلال قنوات واسعة كعلاقة قيادة حماس الخارج بأخوان الأردن، ووجود عشرات الآلاف من الشيعة العراقيين المقيمين في الأردن، إلى مرحلة بات يتحدث فيها بعض المسؤولين عن "خلايا شيعية نائمة" في عمان، يتوازى ذلك مع إعجاب شرائح اجتماعية واسعة بأداء حزب الله في الحرب الأخيرة، وكفاءة حسن نصر الله أمينه العام، الذي أصبح بمثابة بطل شعبي في الشارع العربي، والأردني بالتحديد.
يأتي الجدل الأردني حول التشيع والنفوذ السياسي الإيراني في المنطقة في سياق حالة الاستقطاب السياسي الإقليمي الواضح اليوم بين المحور الإيراني- السوري المعزز بتأييد حركات إسلامية والمحور الذي يطلق على نفسه "معسكر الاعتدال العربي" وعماده الرئيس (مصر، السعودية، الأردن). فالتخوف العربي، من النفوذ الإيراني، يبرز بوضوح في تصريحات لكبار المسؤولين تحذر من نفوذ إيران، وتشكك في "ولاء الشيعة العرب"، وفي مقالات تتحدث عن إعادة تصدير الثورة من جديد على يد نجاد ومجموعته الحاكمة اليوم.
الصراع على البرنامج النووي الإيراني يمثل مفتاحاً رئيساً لقراءة المرحلة القادمة. فالنظام الرسمي العربي بات يدرك تماماً أنه أصبح لاعبا ثانوياً في أوراق النفوذ والتأثير وصناعة الأحداث بين ايران والولايات المتحدة، وأنّ إيران ستسعى في مواجهة الولايات المتحدة لاستخدام نفوذها الإقليمي.
مصادر التخوف العربي لا تقف عند حدود "الأقليات الشيعية" العربية، أو ظاهرة التشيع (التحول من الطائفة السنية إلى الشيعية) وهي لا تزال ظاهرة محدودة، بل من "التشيع السياسي" والنفوذ الإقليمي الإيراني المتزايد في المنطقة، الذي يحسن تماماً توظيف الأقليات الشيعية في الدول العربية، كما يحسن بناء التحالفات السياسية ونشر شبكة تأثيره على كثير من المساحات العربية.
النفوذ الإيراني الأبرز يبدأ من شيعة العراق. حيث يتواجد أكثر من مائة واربعين الف جندي أميركي هناك، سيتعرضون لمشكلات أمنية كبيرة في حال تعززت فرص المواجهة بين طهران وواشنطن، ويؤدي إصرار شيعة العراق بإقامة إقليم شيعي فدرالي بالجنوب إلى منح إيران دورا إقليميا كبيراً. وثمة علاقة وطيدة بين إيران وحزب الله، بل إن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يعد وكيل آية الله خامنئي في لبنان. كما ترتبط حركة الجهاد الإسلامي بفلسطين بإيران من خلال الدعم المالي واللقاءات والحوارات، وتأثر قادة الحركة ومؤسسيها بالثورة الإيرانية، وهنالك علاقة روحية وسياسية وتاريخية تربط بين إيران وبين الأقليات الشيعية في دول الخليج العربي وبالتحديد في الكويت والبحرين.
الجديد في النفوذ الإقليمي الإيراني يتمثل في توطيد العلاقة مع النظام السوري، إلى درجة يرى فيها عدد من المحللين السياسيين العرب والسوريين أن هذه العلاقة أصابها خلل كبير بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، وتحولت من علاقة تحالف وندية إلى علاقة تبعية دمشق لطهران. وفق المنظور نفسه يقرأ كثير من الرسميين العرب تقارب المكتب السياسي لحركة حماس مع طهران.
في هذا التحقيق سنقترب من السؤال الشيعي في الأردن، والجدل المثار حوله، والتداخل بين المجالين الديني والسياسي- الأمني، من خلال محاور رئيسة لكن لا بد ابتداء من الوقوف على الواقع الجديد للشيعة بعد احتلال العراق وأثر ذلك على حركة التشيع الديني والسياسي في المنطقة، ثم التعريف بالعشائر الأردنية الشيعية من الأصل، وعلى ظاهرة التشيع الجديدة وقراءتها في سياق الأسباب التي تقف وراءها والمنظور الأمني لها وصولاً إلى قصص بعض المتشيعين والآفاق المستقبلية للتشيع في الأردن.
المارد الشيعي يعود من جديد
على الرغم من وجود الشيعة في المنطقة العربية منذ قرون، إلاّ أن السؤال الشيعي لم يطرح في العالم العربي، وبالتحديد في المشرق بقوة كما هو الحال اليوم. بالطبع فإن احتلال العراق وخروج المارد الشيعي من قمقم النظام البعثي السابق، في ظل جغرافية سياسية جعلت من إيران داعماً لوجستياً لهم، وفي ظل وجود أقليات شيعية معتبرة في الخليج العربي وفي لبنان. كل هذا جعل من الوجود الشيعي بمثابة الظاهرة السياسية الجديدة والخطيرة التي تجتاح المنطقة.
النفوذ الإيراني تراجع كثيرا في تسعينيات القرن المنصرم، مع محاولة الإصلاحيين بقيادة الزعيم السابق خاتمي، تحسين العلاقات مع المحيط العربي، وتأكيد الإصلاحيين، في أكثر من مناسبة، أن مشروع تصدير الثورة قد توقف. إلا أن "البروستريكا الخاتمية" لم تدم طويلاً فعاد الملالي للسيطرة بقوة على مراكز صنع القرار وأعادوا توجيه السياسة الخارجية الإيرانية، وقد ساعد تقدم برنامجها النووي، إيران على التقاط كثير من الأوراق واكتساب مناطق نفوذ إضافية، مع تدهور المشروع الأميركي في العراق.
ربما ساهم دور إيران في العراق، واستياء شرائح واسعة من المجتمعات العربية من مواقف "قوى سياسية شيعية" عراقية، محسوبة على إيران، في إضعاف الدعاية الإيرانية والحد من خطورة التغلغل الإيراني في المجتمعات العربية في السنوات التي تلت الاحتلال، إلا أن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان والأداء المتميز لمقاتلي حزب الله والخطاب السياسي لأمينه العام، أعاد مرة أخرى مخاوف الدول العربية من نفوذ إيران وقدرتها على تحريك الشارع العربي، بعد أن أصبحت صور حسن نصر الله ترفع في المظاهرات العربية، في اللحظة نفسها التي يتبدى فيها النظام العربي في حالة من العجز الشديد وعدم القدرة على التأثير في الأحداث.
وتشير تقارير إعلامية متعددة إلى استعادة حزب الله شعبيته في المجتمعات العربية، ما أدى إلى تحسين صورة "الشيعة" مرة أخرى. ويذكر تقرير لشبكة نداء القدس الدولية أن الفلسطينيين باتوا يتغنون باسم حسن نصر الله في أعراسهم ويهتفون بحياته. بينما تذكر تقارير أخرى أن عددا من العائلات العربية السنية قد سمت مواليدها الجدد باسمه.
التشيع في المنطقة؛ إطلالة عامة
تختلف البيانات والإحصائيات حول أعداد الشيعة العرب، بالتحديد في الدول التي توجد فيها نسبة معتبرة من الشيعة، إذ تشير معلومات وتقارير دولية، محل خلاف، إلى نسبة 10% في السعودية (المنطقة الشرقية)، وقرابة 50% في البحرين و30% في كل من الكويت ولبنان، و10% في قطر ونسبة تصل إلى 16% في الإمارات العربية المتحدة و60% في العراق. ( أرقام غير دقيقة . الراصد )
أما المتشيعون العرب، المتحولون إلى المذهب الشيعي، فلا يوجد إحصائيات أو أية بيانات حولهم. المعلومات والأرقام تؤكد أن حجم الظاهرة لا يزال محدوداً، وإن كانت قد شهدت طفرة ملحوظة في السنوات الأخيرة. سورية من الدول العربية التي بدأ الجدل فيها حول ظاهرة التشيع، ويعيد عدد من الباحثين السوريين هذا التأثير إلى عوامل رئيسة في مقدمتها تحالف النظام السوري مع طهران والمرونة التي يبديها مع الحجاج والزوار الإيرانيين الذين يتوافدون بالآلاف إلى دمشق لزيارة المسجد الأموي ولزيارة مقام السيدة زينب، الذي تحول إلى مقصد ديني وثقافي مهم، أيضا، للشيعة العرب القادمين من دول الخليج، حيث يقيمون هناك ويحضرون دروسا في الحوزة الزينبية. كما أن وجود عشرات الآلاف من الشيعة العراقيين يساهم في تعزيز الوجود الشيعي في سورية، بالإضافة إلى جوار لبنان والتحالف مع حزب الله، حيث يلقي المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله دروسا دينية بانتظام في "الحوزة الزينبية".
وتشير معلومات إلى أنّ النشاط الشيعي قد أعاد تأهيل ضريح رقية في وسط دمشق، وأن أعداداً كبيرة من الزوار الإيرانيين تؤمه يومياً، وكذلك الحال مع ضريح سكينة بنت الحسين في منطقة دارية، الذي أصبح مقصداً للزوار الشيعة في حي سني متشدد.
في هذا السياق أرسلت نخبة علماء الشام (منهم محمد سعيد رمضان البوطي، وهبة الزحيلي، محي الدين الكردي، محمد محمد الخطيب) رسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد تنتقد فيها قانونا جديدا يمنع المناهج الشرعية الإضافية في الصفوف الأولى والإعدادية، وفي المدارس الشرعية، وتصف الرسالة القانون بالمؤامرة. إلا أن الملفت في الرسالة أنها تشير ولأول مرة، حسب باحثين سوريين، إلى الحوزات الموجودة في سورية، التي وفقاً للرسالة تتجاهل قرار المنع، وتمضي في تدريس مناهجها، ولعل في الرسالة تلميحا، لا يكاد يخفى، على تواطؤ الحكومة السورية مع النشاط الشيعي.
ووفقاً لباحث سوري، فضّل عدم ذكر اسمه، فإنّ المرجع الشيعي السابق محمد مهدي شمس الدين كان قد نال قرارا من الرئيس الراحل حافظ الأسد يسمح بإقامة بعض الحوزات والسماح ببعض مظاهر التشيع، كما يشير دانييل لوغاك، مؤلف كتاب "سورية في عهدة الجنرال الأسد"، وفي أثناء لقاء الأعيان العائلة العلوية في القرداحة، في صيف عام 1980 اُتخِذ قرارٌ بإرسال قرابة خمسمائة شاب من "العلويين" للدراسة في المعاهد الدينية في قم، ليتخصصوا في المذهب الجعفري، وكان يخطط منذ تلك الفترة إلى تشكيل تحالف شيعي إقليمي. ويعتقد عدد من الباحثين السوريين أن إرسال العلويين إلى قم ما يزال دارجا إلى اليوم.
الفترة الأخيرة تجاوزت النخبة العلوية وشهدت نشاطا شيعيا واسعاً، ولا يعجز الزائر للمسجد الأموي أن يلحظ مظاهر وجود الشيعة والطقوس والأدعية الشيعية والوفود الإيرانية، التي يكاد يعتقد من يراها أن المسجد الأموي هو حسينية، وليس مسجدا سنياً. في لبنان، على الرغم من وجود قوي للشيعة في الجنوب إلاّ أنّ ظاهرة "التشيع" لا تزال محدودة، نظراً لوجود طوائف وأديان متعددة لكل منها مؤسساتها ومراكزها ومصالحها.
الحلقة الرئيسة التي توجد فيها حالات قليلة من التشيع هي المخيمات الفلسطينية، وفقاُ لمصادر شيعية. الجدل حول التشيع يطغى اليوم في أوساط إعلامية وسياسية فلسطينية، ويبدو السبب الرئيس في ذلك توطد التحالف بين حركة حماس (المكتب السياسي في دمشق) وبين طهران، بالإضافة إلى العلاقة التاريخية التي تربط حركة الجهاد بطهران.
بعض التقارير الإعلامية تصل إلى وصف الظاهرة بـ"الغزو الشيعي لفلسطين".
بالتأكيد ثمة قراءة مبالغ فيها لبعض تصرفات وتصريحات قادة حماس والجهاد من قبل الجهات المعادية للتشيع.
لكن في المقابل هنالك معلومات وإشارات لا يمكن تجاهلها، فإحدى القيادات البارزة المحسوبة سابقاُ على حركة الجهاد، محمد شحادة، أعلن تشيعه في عدة مقابلات صحافية، إذ يذكر أن تحوله الأكبر نحو التشيع كان في سنة 1992 عندما نفت إسرائيل عددا كبيرا من قيادات الجهاد وحماس، وكان هو أحدهم إلى مرج الزهور، في المنطقة الحدودية لجنوب لبنان، والتقى هناك بعدد من أعضاء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وأعجب بروحهم الفدائية وبإخلاصهم، ومن ثم بقي يقرأ الكتب والأدبيات حتى توصل إلى أن العقيدة الشيعية المتمثلة بـ"موالاة آل البيت" هي العقيدة الصحيحة.
يعود تأثر حركة الجهاد بإيران إلى لحظات التأسيس الأولى، حيث تأثر أحد مؤسسي الحركة، وقائدها اللاحق فتحي الشقاقي (قتل في مالطا 1995) بمشروع الثورة الإيرانية والّف كتابا بعنوان "الخميني؛ الحل الإسلامي والبديل" (1979)، وفي أدبيات الحركة الرئيسة وعلاقاتها ومصادر تمويلها واستراتيجيتها السياسية ملامح واضحة بتأثرها بالثورة الإيرانية، وقد كان أبرز قياداتها أسعد بيوض التميمي على علاقة وطيدة بقادة الثورة قبل أن يختلف معهم، و"يكتشف حقيقة الثورة"، كما يذكر ذلك ابنه محمد بيوض التميمي في مقال نشر على أكثر من موقع الكتروني بعنوان: "الثورة الإيرانية إسلامية أم قومية مذهبية؟".
على الرغم من نفي مصادر في حركة الجهاد بشدة تشيع عدد من اعضائها، إلا أن تقارير إعلامية أخرى تؤكد تشيع افراد من الحركة وقيامهم ببناء مؤسسات ثقافية وصحية في مدينة بيت لحم، وبنشر فكر الشيعة في أوساط سنية.
في السياق نفسه تراجع محمد غوانمة، إحدى القيادات السابقة في المقاومة الفلسطينية، بعد أسابيع من إعلانه تأسيس "المجلس الشيعي الأعلى" في فلسطين، إلاّ أن كثيرين ينظرون إلى خطورة الخطوة أنها بمثابة بالون اختبار، ومحاولة أولية للإعلان الرسمي مستقبلا عن التواجد الشيعي في فلسطين.
صحيح أن إيران غير معنية ابتداءً بالتشيع الديني، ولا تريد فتح جبهات في هذا المجال إلاّ أنّ التشيع السياسي مقدمة للتشيع الديني، ورديف له، فطبيعة العلاقات لا تقف عند حدود السياسة إنما تتعداها إلى الثقافة، بخاصة إذا كان المثقفون والسياسيون الإيرانيون، والشيعة عموماً أكثر قدرةً وثقافة من السنة، فالتعليم الشيعي بطبيعته جدلي ومحاجج على نقيض التعليم السني وحتى الثقافة السنية التي لا تحفل كثيرا بالرد على الشيعة ومناقشتهم.
العشائر الأردنية الشيعية
قبل الولوج إلى استنطاق ظاهرة "التشيع" في الأردن، يجدر الوقوف عند وجود عشائر أردنية شيعية، في الأصل منذ
المزيد