ملاحظات عديدة تستوقفنا عند تناولنا لموضوع "الشيعة في مصر" أولها أن التشيع في مصر دخيل عليها, فمصر على مذهب أهل السنة, لكن أهميتها والثقل الذي تتمتع به في العالم العربي والإسلامي, جعل الشيعة يتجهون صوبها, فينشرون مذهبهم هناك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً, كما أنهم استطاعوا اختراق بعض المؤسسات الرسمية كالأزهر الذي كثيراً ما يغض الطرف عن كتبهم وأنشطتهم, بل وتصدر منه بين الحين والآخر الفتاوى التي تصحح مذهب الشيعة, وتجيز التعبد على مذهبهم!
وقد نتج عن هذه الجهود الشيعية, قيام أعداد قليلة لا تذكر من المصريين باعتناق المذهب الشيعي, وهم الآن أصحاب صوتٍ عالٍ, وسقف مطالبهم لا حدود له, وهم يسعون إلى إقامة المؤسسات الشيعية ونشر فكرهم بكل ما أوتوا من قوة, وقد ساعدهم في ذلك الانفتاح الذي تظاهرت به إيران بعد وفاة الخميني, كما أن توقف الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988, والتي كانت مصر تقف فيها إلى جانب العراق, قد ساهم في بروز هذا التيار المتشيع, وهو الأمر الذي يوجب حذر أهل السنة من المخططات الشيعية التي لا تكتفي بالبلدان التي يوجد فيها عدد كبير من الشيعة, إنما صارت تمتد وتنتشر إلى مجتمعات سنّية صرفة.
وثمة ملاحظة أخرى تستوقفنا لدى حديثنا عن المتشيعين في مصر هي أنهم يستغلون التصوف ويعملون من خلاله مستفيدين مما يوجد في هذين المذهبين من تقارب, فليس مستغرباً أن يكون التشيع والتصوف وجهين لعملة واحدة.
في بحثنا هذا نسلط الضوء على دخول التشيع إلى مصر وارتباطه بالدولة العبيدية الفاطمية التي احتلت مصر سنة 358هـ, وحاولت فرضه في مصر, ومع ذلك ظل أهل مصر على مذهب أهل السنة, وظل التشيع غريباً عليها, وكان للقائد صلاح الدين الأيوبي الدور الكبير في إعادة مصر إلى دينها ومذهبها وتخليصها من التشيع والانحراف.
كما أننا نعرض لأهم الهيئات التي أنشأها المتشيعون في مصر لخدمة ونشر التشيع أو الهيئات التي حاولوا إعادة بعثها, وكذلك نعرض لأهم أنشطتهم الدينية والثقافية والتربوية والإعلامية, ونعرّف بأهم شخصياتهم كصالح الورداني وأحمد راسم النفيس وحسن شحاتة ممن أغواهم الشيطان وزيّن لهم طريق التشيع والرفض وزيّن لهم سب الصحابة وأمهات المؤمنين والطعن في ثوابت الأمة.
وحيث أن المتشيعين في مصر يتأثرون سلباً وإيجاباً بعلاقات بلادهم مع إيران, فقد سلطنا الضوء على ذلك, خاصة وأن إيران تولي مصر اهتماماً كبيراً وتستخدم المتشيعين كورقة لتنفيذ مخططاتها.
دخول التشيع إلى مصر:
يعود الوجود الشيعي في مصر لأول مرة إلى الدولة الفاطمية العبيدية, وهؤلاء العبيديون الذين نسبوا أنفسهم إلى فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم وتسموا بالفاطميين هم من الشيعة الإسماعيلية, الذين حكموا مصر من سنة 358هـ (969م) إلى سنة 567هـ (1171م), وكان احتلالهم لمصر في عهد المعز لدين الله, الذي قدم من المغرب, حيث كان هؤلاء العبيديون قد أسسوا دولة لهم هناك. وينتسب العبيديون إلى عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان البوني من الأهواز, وهو مجوسي ومن أشهر الدعاة السريين الباطنيين الذين عرفهم التاريخ, ومن دعوته هذه صيغت دعوة القرامطة.
وعندما هلك عبد الله قام بدعوته السرية ولده أحمد, وبعد هلاك أحمد تولى قيادة الدعوة ولده الحسين, فأخوه سعيد بن أحمد, واستقر سعيد بـ (سلمية) من أعمال حمص, واستمر في نشر الدعوة وبث الدعاة حتى استفحل أمره وأمر دعوته, وحاول الخليفة المكتفى أن يقبض عليه وأن يخمد دعوته, ففرّ إلى المغرب, ونشر له هناك دعاته, وقاتلوا من أجله حتى ظفر بملك الأغالبة وتلقب بعبيد الله المهدي, وادّعى أنه من آل البيت ومن نسل الإمام جعفر الصادق, وانتحل إمامتهم.
ومن أبرز حكام الدولة العبيدية: الحاكم بأمر الله الذي ادّعى الألوهية, وبث دعاته في كل مكان من مملكته يبشرون بمعتقدات المجوس كالتناسخ والحلول, ويزعمون أن روح القدس انتقلت من آدم إلى علي بن أبي طالب, ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم بأمر الله.
وكان آخر حكامهم في مصر العاضد, وكان زوال دولتهم على يد القائد صلاح الدين الأيوبي الذي قضى عليهم وأراح المسلمين من شرورهم [1].
لقد استطاع صلاح الدين رحمه الله أن يقضي على العبيديين [2] وأن يعيد مصر كما كانت إلى مذهب أهل السنة والجماعة, وبالرغم مما مارسه هؤلاء العبيديون من البطش والدعوة السرية لنشر مذهبهم الشيعي الإسماعيلي, إلا أنه ظل مذهباً غريباً دخيلاً, وظلت مصر سنيّة, ولم تقم للشيعة في مصر دولة بعد العبيديين.
لكن الشيعة بقيت أنظارهم متجهة نحو مصر لما لها من ثقل وأهمية, ساعين إلى إعادة بناء دولتهم العبيدية.
وبالرغم من أنّ مصر ظلت متمسكة بمذهب أهل السنة, إلا أن الشيعة استفادوا خلال القرن المنصرم من مجموعة من العوامل ساعدتهم لنشر مذهبهم وأفكارهم, واستقطاب بعض المواطنين المصريين واختراق بعض الهيئات الرسمية والشعبية.
وأهم هذه العوامل:
1-وجود بعض المقامات والأضرحة المنسوبة لآل البيت في مصر كالحسين والسيدة زينب ونفيسة ورقية, وهو الأمر الذي استغله الشيعة بسبب توجه المصريين نحوها, وإحيائهم للمناسبات, واستغل الشيعة حبّ المصريين لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم حيث أظهروا أنفسهم بمظهر المدافع عن آل البيت, المتبع لطريقتهم [3].
2-تساهل الأزهر في موضوع الشيعة الذي نتج عنه دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تأسست سنة 1947م في حي الزمالك في القاهرة, وقد ساهم في تأسيسها عدد من شيوخ الأزهر مثل محمود شلتوت وعبد المجيد سليم ومصطفى عبد الرازق, وغيرهم, وعدد من علماء الشيعة مثل محمد تقي القمي –الذي كان أميناً عاماً للدار- وعبد الحسين شرف الدين ومحمد حسن بروجردي.
وبداعي التقريب, وفي ظل غفلة أهل السنة الذين أنشأوا الدار ودعموها, تحولت هذه الدار إلى مركز لنشر الفكر الشيعي.
يقول د. علي السالوس منتقداً الدور الذي كانت تؤديه: "ومع هذا فدار التقريب بالقاهرة وليست في موطن من مواطن الشيعة ومجلة رسالة الإسلام التي تصدر عن الدار جلّ ما تتناول من موضوعات الخلاف أنها تهدف إلى إقناع أهل السنة ببعض ما يعتنقه الشيعة أشبه بمحاولة لتشييع السنة" [4].
3- الطلاب الشيعة العرب في مصر, حيث كان يؤم مصر أعداد كبيرة من الطلاب العرب, ومن بينهم الشيعة وخاصة من دول الخليج, وكانوا يعملون على نشر فكرهم في صفوف المصريين, وقد أشار الكاتب المصري المتشيع صالح الورداني إلى ذلك بقوله: "بعد خروجي من المعتقل في منتصف الثمانينات احتككت بكمّ من الشباب العراقي المقيم في مصر من المعارضة وغيرهم, وكذلك الشباب البحريني الذين كانوا يدرسون في مصر, فبدأت التعرف على فكر الشيعة وأطروحة التشيع من خلال مراجع وكتب هم وفّروها لي ومن خلال الإجابة على كثير من تساؤلاتي وقد دارت بيننا نقاشات كثيرة" [5].
وممن كان له دور في نشر الفكر الشيعي من العرب رجل عراقي اسمه علي البدري ذهب إلى الأزهر لإكمال دراساته العليا, بعد أن كان قد درس الشريعة في جامعة بغداد, وكان سنياً وتشيّع وقد كلفه المرجع الشيعي السابق أبو القاسم الخوئي بأن يكون وكيلاً عنه للشيعة في مصر, وقد ترك زوجته في العراق, وتزوج امرأة مصرية أثناء إقامته في القاهرة امتدت لخمس سنوات, وخلال هذه الفترة استطاع أن يستقطب عدداً من المشايخ في الأزهر وغيرهم مثل حسن شحاتة وحسين الضرغامي ومحمد عبد الحفيظ المصري الذين أعلنوا تشيعهم على يديه [6].
وفي المرات العديدة التي كان يتم إلقاء القبض على تنظيمات شيعية, كان يلقى القبض أيضاً على طلاب شيعة من الخليجيين.
ومن الأثر الذي تركه هؤلاء العرب ما ذكره الشيعي جاسم عثمان مرغي عن شعائر عاشوراء قائلاً: "وكادت هذه الليلة تضمحل لولا أن بعث فيها النشاط من جديد من قبل ممثل آية الله الخوئي" [7].
4-علاقات النسب التي كانت تربط الأسرتين المالكتين في إيران ومصر, فشاه إيران محمد رضا بهلوي كان متزوجاً من إحدى أميرات مصر.
كما أن الرئيس المصري أنور السادات كان مرتبطاً بعلاقة سياسية وشخصية مع شاه إيران, واستقبله في مصر بعد فقدانه لعرش بلاده, وحال دون تسليمه إلى إيران الثورة [8].
وفي ظل هذه الأجواء, نشأت بعض الجمعيات والهيئات الشيعية, ومارست نشاطها دون مضايقات تذكر, مثل جمعية آل البيت التي تأسست سنة 1973م أثناء عهد السادات, إضافة إلى السماح لطوائف أخرى بالعمل كالبهرة التي كان السادات يحرص على استقبال زعيمها سنوياً [9].
5-توقف الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988, حيث عارضت مصر إيران في تصديرها للثورة, ووقفت مع العراق في حربه مع إيران (1980-1988), وبعد انتهاء الحرب ثم وفاة الخميني, بدأت الأمور تسير نحو الانفراج, وبدأ الضغط الحكومي على المتشيعين يقل [10].
6-معرض القاهرة للكتاب, وقد شكل المعرض منفذاً شيعياً هامّاً, إذ تم ويتم من خلاله نشر الكثير من الكتب الشيعية, خاصة تلك التي تحضرها دور النشر اللبنانية, ومن أهم الكتب التي كان يتم تداولها: المراجعات لعبد الحسين شرف الدين, وأهل الشيعة وأصولها لمحمد حسين كاشف الغطاء, والبيان في تفسير القرآن للخوئي, والميزان في تفسير القرآن للطبطبائي [11].
7-صدور عدد من الصحف باللغة الفارسية في القاهرة والاسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر, بلغ عددها خمس صحف هي حكمت, ثريا, برورش, جهره نما وكمال.
وكانت إحدى هذه الصحف وهي ثريا تصدر بمؤازرة أحد دعاة فرقة البهائية, وهو ميرزا أبو الفضل الكلبايكاني, ثم ما لبثت هذه الصحف أن توقفت بسبب مشاكلها الداخلية وقيامها على جهود فردية, وقلة عدد الإيرانيين المقيمين في مصر [12].
أهم المجالس والهيئات الشيعية:
1-المجلس الأعلى لرعاية آل البيت:
يرأسه المتشيع محمد الدريني, ويصدر صحيفة (صوت آل البيت), ويطالب بتحويل الأزهر إلى جامعة شيعية, ويكثر من إصدار البيانات, وهو الصوت الأعلى من بين الهيئات الشيعية. ويقع مقره بالقرب من القصر ال